حفل تأبين د. أحمد صدقي الدجاني في لندن

حفل تأبين د. أحمد صدقي الدجاني في لندن

استضاف نادي الكوفة، في العاصمة البريطانية لندن، مساء يوم الخميس 25/3/2004، حفلا تأبينيا للعلامة الفلسطيني والعربي الراحل الدكتور أحمد صدقي الدجاني، حضره العشرات من الباحثين والعلماء والصحافيين ومحبي الدكتور الدجاني وبعض أقربائه، وجمع في توازن وتكامل بين النثر العميق والشعر الرقيق.

 


وقد أقيم التأبين بالاشتراك بين مركز العودة الفلسطيني، ومنبر ليبيا للثقافة. وتحدث في مفتتح الجلسة الأستاذ أحمد رمضان، المدير العام لوكالة "قدس برس انترناشيونال"، معددا مآثر الفقيد الراحل، في كلمة رقيقة مؤثرة، مسجلا دوره العلمي والثقافي والنضالي الواسع، وقدرته العالية على استنهاض الأمة، ورؤية مواطن القوة فيها، من أجل اتخاذها سلما للارتقاء بها في خضم أمواج الضغوط الخارجية المتلاطمة، واستفحال العولمة القارونية المتوحشة، وتزايد جرائم الاحتلال ضد أبنائها في فلسطين والعراق.

ثم تناول الكلمة الأستاذ ماجد الزير المدير العام لمركز العودة الفلسطيني، الذي تحدث عن العلاقة الحميمة، التي قامت بين المركز وبين الراحل الدكتور أحمد صدقي الدجاني، وأضاف أنه رغم إيماننا بقضاء الله وقدره، إلا أن الفراق وفقدان الأحبة شيء صعب على النفوس، فالله تعالى سمى الموت مصيبة حين قال: (إذا أصابتكم مصيبة الموت). وتزداد هذه المصيبة عظما حين يكون المفارقون مفكرون ومناضلون عظماء من أمثال المرحوم الدكتور أحمد صدقي الدجاني ومن أمثال الشيخ الجليل أحمد ياسين. الذين كان لهم أثر عظيم في استنهاض الأمة الإسلامية والسعي بها نحو المعالي ورفض الذل والاستكانة والجهاد في سبيل تحقيق العزة والرفعة لها. وأستعرض السيد الزير دور المرحوم الدجاني في توجيه المركز للتركيز على موضوع اللاجئين الفلسطينيين.

وتحدث فرج نجم مؤسس منبر ليبيا للثقافة عن الترابط التاريخي بين ليبيا والقضية الفلسطينية، وعن حضور الدكتور الدجاني الثقافي والفكري في ليبيا، التي عاش فيها شطرا من عمره، وكانت أطروحته للدكتوراه حولها.

أما الدكتور نجدت فتحي صفوت الدبلوماسي المخضرم والمؤرخ العراقي، فتحدث بلغة رقيقة عذبة عن الراحل ودوره العلمي والسياسي والنضالي في خدمة القضية الفلسطينية، ومناهضة التسوية الظالمة، التي أريد لها أن تفرض على الأمة وعلى فلسطين. واستعرض المؤرخ نجدت مناسبات التعرف واللقاء التي جمعت بينه وبين الدكتور الدجاني، معرجا على ما ربط بينهما من توافق فكري، وعلى تعلق العراقيين بالقضية الفلسطينية، مشيرا إلى مآثر أسرة الدجاني، التي ينتمي إليها الراحل، ودورها في التاريخ الفلسطيني، وإلى دور الراحل في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وجمعه المتين بين الفكر والنضال السياسي والالتزام بفضيلة الوسطية والاعتدال والحوار، معتبرا أنه كان يمثل جيله أروع تمثيل ثقافة وفكرا وتطلعا للمستقبل، مؤكدا أنه كان مفكرا عميق التفكير، يفكر بعقله وقلبه، ويخضع عقله لقلبه، مما أعطى فكره قدرة عالية على الحياة، قائلا إنه بوفاته فقد العرب عالما مستنيرا ومدافعا صلبا عن قضايا العرب والمسلمين.

وكانت كلمة الدكتور عصام نعمان، الوزير السابق وعضو البرلمان اللبناني، من أروع ما تلي في الحفل من كلمات. وكانت بحثا معمقا، تناولت بالتحليل العلمي الدقيق، واللغة الراقية العذبة الشاعرية، دور الراحل الدكتور الدجاني فكريا وسياسيا، مشيرا إلى أنه الرجل الذي تكاملت، بنضج وتآلف بديع، في شخصيته دوائر الانتماء الوطني والعربي والإسلامي، حيث الوجود القومي والعقيدة يتكاملان، ولا مجال لأسبقية أحدهما على الآخر، محللا بعمق فكر الراحل، ودوره الثقافي والنضالي، ومساهمته في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وفي تقريب تيارات الأمة المتباعدة، وإنشاء المؤتمر القومي الإسلامي، الذي كان منسقه الأول، حتى استوى على عوده، معتبرا إياه إنسانا رقيقا، ومفكرا مبدعا عميقا، ومجاهدا صلبا، وهي أوصاف التقت في الراحل الكبير في تناغم وتكامل.

وألقى المفكر والباحث الليبي محمود الناكوع إضاءات وافية بشأن علاقة الراحل بليبيا ومؤلفاته العديدة عنها، ومنها أطروحتيه للماجستير وللدكتوراه، ودوره الكبير في إثراء الحياة الثقافية الليبية عقب الاستقلال، حيث عاش في ليبيا 15 عاما محاضرا ومعلما وصحافيا، في الزمن الذهبي للحركة الثقافية في البلاد، قبيل أن يسيطر العسكر على الحياة السياسية، وكان الراحل الدجاني علما لا يشق له غبار، تربطه علاقات واسعة مع كبار الأدباء والمثقفين والصحافيين في البلاد.

أما المفكر الفلسطيني البارز منير شفيق، الذي عايش الراحل الدجاني، وعملا معا لمدة طويلة في منظمة التحرير الفلسطينية، فأضاء بكلمته أبعادا مهمة من شخصية الراحل، ودوره القيادي البارز في حفظ توازن المنظمة، في أجواء الصراعات والاستقطابات الكبيرة، التي عرفتها الساحة الفلسطينية، مشيرا إلى قدرة الراحل على تحدي التيار، من دون أن يقطع علاقات الود مع الناس، مؤكدا أن التزامه الحديث باللغة الفصحى طيلة حياته، كانت من العلامات الكبرى لأصالة شخصيته وقوتها في آن، مشيرا إلى أن الراحل كان قادرا على إدارة مؤتمرات تضم المئات، أو الندوات، التي يشارك فيها العشرات، من مشارب واتجاهات مختلفة، دون غضب أو تجهم.

قال عن الراحل إنه كان عميق الفكر، مدققا للأخبار، محبا للتاريخ، وثيق الصلة به، جلودا على الاستماع. وعدد المفكر شفيق نقاط اللقاء بينه وبين الراحل في الفكر والسياسة، ومنها رفض مقاطعة مصر، عقب اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، مع مقاطعة نهج الرئيس أنور السادات، والاحتفاظ بصداقة الاتحاد السوفيتي السابق، دون الانحياز له في الاستقطابات الدولية، مشيرا إلى أهمية انحياز الدكتور الدجاني إلى خيار المقاومة والذب عنها، في وقت ندر فيه المدافعون عنها، وخاصة عندما توضحت الاتجاهات السياسية في منظمة التحرير، ثم توقيع اتفاق أوسلو، مشيدا بدور الراحل في مواجهة العولمة المتوحشة، وفي التقريب بين القوميين والإسلاميين، قائلا عنه إنه عاد في آخر أيامه شابا ثوريا متوقدا، يريد أن يغير العالم، في سن كثيرا ما تخرب فيها النفوس، وتميل إلى الخنوع، مؤكدا أن الراحل كان جوهرا ثمينا، لم تزده الشيخوخة إلا توهجا.

وألقى في حفل التأبين الشاعر الشاب عبد الرحمن يوسف القرضاوي، نجل الشيخ يوسف القرضاوي، قصيدة رائعة في رثاء العلامة الراحل، الذي كانت له علاقة خاصة به، وكان أول من يستمع لقصائده، كما قال. كما ألقى مهدي أحمد صدقي الدجاني نجل العلامة الراحل كلمة مؤثرة عن علاقته بوالده، التي قال فيها إنها علاقة قد تجاوزت مستوى الأبوة الطبيعية، مشيرا إلى أنه كان مع والده مريدا أمام شيخه، وتلميذا بين يدي أستاذه، وصاحبا في حضرة صاحبه.

رابط مختصر : https://prc.org.uk/ar/post/269