المهجرون الفلسطينيون في لبنان – بين مرارة اللجوء ومآسي الهجرة

المهجرون الفلسطينيون في لبنان – بين مرارة اللجوء ومآسي الهجرة

ضمن سلسلة الإصدارات الغير دورية، صدر عن مركز العودة الفلسطيني - لندن كتاب يحمل عنوان "المهجرون الفلسطينيون في لبنان - بين مرارة اللجوء ومآسي الهجرة" لمندوب المركز في لبنان الأستاذ علي هويدي. ويقع الكتاب في 146 صفحة حجم 23× 17 ويعالج الوضع السياسي والإنساني للمهجرين الفلسطينيين في لبنان. ويسلط الكتاب الضوء على فئة المهجرين الفلسطينيين، تلك الفئة المهمشة والمغيبة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي بحيث وبالرغم مما تقوم به مراكز الدراسات والأبحاث أو الناشطين والمهتمين بقضية اللاجئين


الفلسطينيين من كتابة الأبحاث والدراسات والمقالات والتقارير، فقد لوحظ عدم التطرق إلى هذه الفئة من الشعب الفلسطيني التي لجأت إلى مخيمات لبنان إبان النكبة في العام 1948 وتحديدا إلى مخيمي النبطية في جنوب لبنان وتل الزعتر في شرق بيروت.

في العام 1974 وبسبب القصف الصهيوني المتكرر على مخيم النبطية، تم إزالة المخيم عن الخريطة اللبنانية، وتبعه إزالة مخيم تل الزعتر في العام 1976 بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، بحيث باتت عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى المخيمين أو إعادة إعمارهما ضربا من المستحيل. وقد قدر عدد اللاجئين المهجرين من المخيمين حين ذاك بحوالي 20 ألف لاجىء.

ينتشر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حاليا في أربعة أماكن:أولا: المخيمات الرسمية المعترف بها من قبل الدولة اللبنانية والانروا والتي تم إنشاؤها بعد نكبة العام 48، ويبلغ عددها حاليا 12.ثانيا: في تجمعات للاجئين تم إنشاؤها كذلك وبشكل عام عقب النكبة ويبلغ عددها حوالي 35 تجمعا.ثالثا: عدد كبير من اللاجئين في المدن والقرى اللبنانية، بحيث وبالنسبة للانروا يبلغ عدد اللاجئين المقيمين في المخيمات 210.952 بنسبة 52.5% بينما عدد الذين هم خارج المخيمات 189.630 لاجئا.أما كتاب المهجرين الفلسطينيين فانه يبحث في المكان الرابع لانتشار اللاجئين، في تجمعات تشكلت بعد سقوط مخيمي النبطية وتل الزعتر في عامي 1974 و 1976 عدا عن هجرة عدد اخر من العائلات من مخيمات منطقة صور القريبة من الحدود الفلسطينية اللبنانية وذلك بسبب القصف الصهيوني المتكرر عليها.

بلغ عدد عائلات اللاجئين المهجرين إلى التجمعات 1317 عائلة أي 7092 لاجئا، عدد الذكور منهم 3532 وعدد الإناث 3560 وعدد اللاجئين من فئة الغير مسجلين( NR ) 97 عائلة و23 عائلة من فئة فاقدي الأوراق الثبوتية ( NID ). هذا ويشير الكتاب إلى انتشار اللاجئين المهجرين في 13 تجمعا، تجمعين في منطقة شمال لبنان هما تجمع " حي المهجرين " في نهر البارد و " تجمع البداوي "، تجمعين في منطقة بيروت هما، " تجمع غزة " و" تجمع شاتيلا " أما الجزء الأكبر من التجمعات وعددها تسعة فهم موزعون في منطقة صيدا في جنوب لبنان، تجمع المدينة الصناعية، تجمع بستان القدس، تجمع اوزو، تجمع البركسات، تجمع العودة، تجمع درب السيم، تجمع الطوارىء، تجمع الهمشري وتجمع الفوار. أما عن بقية اللاجئين المهجرين من المخيمين فهم منتشرون بشكل فرادى في المخيمات والتجمعات والمدن والقرى المشار إليها سابقا، عدا عن هجرة عدد كبير بشكل فرادى وعائلات إلى دول الغرب خاصة في الأعوام الثلاثة 1985، 1986 و1987 خلال وعقب حرب المخيمات.

بعد الزيارات الميدانية للتجمعات يتعرض الكتاب إلى تاريخ وظروف تأسيس التجمعات، بالإضافة إلى الإحصاء السكاني للمهجرين والذي يشمل، أسماء وعدد المهجرين في كل تجمع، رقم بطاقة " الانروا " لكل عائلة، أسماء القرى والمدن الفلسطينية مع الاقضية الفلسطينية التي ينتمي إليها اللاجئون، وعدد الهجرات التي عانى منها اللاجىء، إذ أن بعض اللاجئين تهجّر لست مرات. يبحث الكتاب تداعيات هذه الهجرة المتكررة وأثرها النفسي والاجتماعي والإنساني بشكل عام ويركز على أنواع الأمراض المصاب بها اللاجئون خاصة أمراض الربو والسكري والضغط التي تكثر بشكل استثنائي، هذا عدا عن الحديث عن نسبة البطالة التي تقدر بين اللاجئين في لبنان وحسب الانروا بـ 48% ولكن حسب اللجان الشعبية والمؤسسات الأهلية العاملة في الوسط الفلسطيني فإنها تشير إلى نسبة 65% إلى 70%. يبحث الكتاب في أسباب البطالة في التجمعات، والمهن التي يمارسها اللاجئون المهجرون والتي يبرز فيها أعمال الخردة والحمضيات والأعمال الحرة..وبالتالي تبرز حالات الفقر والعوز من خلال ملاحظة المدخول الشهري للأسرة والغير ثابت الذي هو بشكل عام لا يتجاوز 250 دولار للعائلة الواحدة المكونة من ستة افراد. هذا عدا عن التطرق إلى الوضع التربوي والصحي والاجتماعي والاقتصادي والبنى التحتية.

وللحصول على المعلومات الكافية والضرورية للدراسة، كان هناك زيارات ميدانية لجميع العائلات التي تم ذكر أسمائها والحديث والسؤال لجميع أفراد العائلة من الأطفال والنساء والرجال وكبار السن من الجنسين ومن مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية، أسئلة تهدف إلى الحصول على المعلومات الموضوعية والعلمية التي تعمل على تحقيق الهدف من الدراسة. هذا عدا عن زيارات جميع أمناء سر اللجان الشعبية للتجمعات التي تمثل في النهاية المرجعية الإدارية والسياسية للمهجرين. ولم نغفل عن التنسيق مع جميع القوى والفصائل الفلسطينية من مختلف مشاربها السياسية الإسلامية والوطنية بهدف التكامل وتسهيل العمل، عدا عن التنسيق مع الفعاليات والوجهاء والمرجعيات الدينية.

ويشير الكتاب إلى الخدمات التي تقدمها كل من اللجان الشعبية، " الانروا "، منظمة التحرير الفلسطينية، الدولة اللبنانية، المؤسسات الأهلية الفلسطينية المحلية والمؤسسات الدولية. تلعب الانروا الدور الأبرز في تقديم الخدمات إن كانت التربوية أو الصحية أو الاجتماعية مع شحها بشكل عام مقارنة بالاحتياجات، بحيث تعترف بالمهجرين ولا تعترف بالأرض المقيمين عليها، وتقدم لهم تلك الخدمات أحيانا داخل التجمع وحينا آخر خارج التجمع. أما الدولة اللبنانية فلا تقدم أي نوع من الخدمات باستثناء التسهيل والسماح ومن خلال بعض البلديات في تحسين البنى التحتية لبعض التجمعات والتي ينفذها بعض المؤسسات الدولية والتي عادة ما يمولها الاتحاد الأوروبي.

والجدير ذكره في هذا السياق بان الكتاب يشير كذلك إلى أن جميع الأراضي التي يقيم عليها المهجرون هي إما أملاك تابعة للدولة اللبنانية أو أملاك خاصة يملكها أشخاص لبنانيون أو أراض تملكها منظمة التحرير الفلسطينية وفي الحالات الثلاثة فان المهجر يعيش دائما حالة اللا استقرار والتهديد الدائم بالطرد والمطالبة بالأرض كما هو الحال مع تجمع درب السيم القريب من مخيم عين الحلوة للاجئين الذي قسمته الدولة اللبنانية إلى قسمين بسبب شق طريق رئيسي يربط بين مدينة صيدا ومدينة صور الساحلية، وكان نصيب المهجرين المقيمين في مساحة الجرف إعادة التهجير من جديد. أما منظمة التحرير الفلسطينية فإنها وبشكل رئيسي تشكل المرجعية السياسية لتلك التجمعات وليس لديها ما تقدمه من خدمات أخرى. أما اللجان الشعبية فإنها تمارس مهامها داخل المخيمات كوسيط بين التجمعات وعمل المؤسسات الأهلية والمتابعة الإدارية لكل جديد.

ويستحضر الكتاب وبشكل أساسي، ابرز واهم المعطيات للتجمعات والتي تترجم أقوالا وأفعالا لدى جميع المستهدفين من الدراسة إن كان اللاجئين أنفسهم أو اللجان الشعبية أو الفصائل أو المؤسسات الأهلية، او المرجعيات الدينية، بان السبب الرئيس للحالة الإنسانية الصعبة التي يعيشها هؤلاء المهجرون إنما هي نتيجة طبيعية لحالة اللجوء التي يعاني منها الشعب الفلسطيني في لبنان وغيره من أماكن اللجوء والشتات منذ أكثر من 57 عاما والا لولا النكبة لما كان اللجوء ولما كانت المخيمات ولما كانت التجمعات والشتات بشكل عام وبالتالي من يتحمل المسؤولية المباشرة وبشكل رئيسي هو العدو الصهيوني الذي طرد الشعب وسرق الأرض بهدف استجلاب اليهود من كافة دول العالم ليسكنوا منازلنا وينعموا بخيراتنا. والمسؤولية الثانية يتحملها المجتمع الدولي والمؤسسة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة التي تتعاطى مع قضية اللاجئين بمكيال مختلف مع تعاطيها مع بقية اللاجئين في العالم ففي الوقت التي تدخلت فيه مؤسسات الأمم المتحدة لإعادة أكثر من 10 مليون لاجىء إلى بيوتهم في غواتيمالا وموزنبيق وكوسوفا وغيرها خلال اقل من عشر سنوات فإنها تقف عاجزة وبسبب النفوذ الأمريكي المسيطر على المؤسسة الدولية من التدخل لإعادة أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون من اللاجئين الفلسطينيين منتشرين حول العالم.

ويلحظ الكتاب -بالرغم من المعاناة وحالات التهجير - تمسك اللاجئين المهجرين بعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم الفلسطينية، فنرى على سبيل المثال بعض التجمعات قد سميت بأسماء فلسطينية مثل " بستان القدس " أو " غزة " ومنها من أعطى دلالة واضحة على حقه في العودة مثل " تجمع العودة "، بالإضافة إلى بروز التماسك الأسري والروابط الاجتماعية والحفاظ على العائلة الواحدة والتوعية الوطنية للأبناء في الأسرة. وتسير في الزواريب الضيقة لترى العبارات وأبيات الشعر الفلسطينية تنتشر على الجدران، عدا عن صور الشهداء والأسرى والملصقات التي تنطق بالقضية الفلسطينية. وإذا ما دخلت إلى المنزل تشاهد العلم الفلسطيني والكوفية الفلسطينية وصورة قبة الصخرة والمسجد الأقصى والخريطة الفلسطينية..عدا عن وجود التجمعات التي تضم أبناء القرية الفلسطينية الواحدة والذين يعيشون بجانب بعضهم البعض.

وينظر اللاجئون المهجرون إلى معاناتهم بأنها سياسية بالدرجة الأولى قبل أن تكون إنسانية، وبالرغم من حالات الفقر المدقع والحالة الإنسانية الصعبة التي يعيشونها بشكل يومي، فهم يرفضون كل أشكال التوطين والتجنيس في لبنان أسوة بإخوتهم اللاجئين المنتشرين في الأماكن الأخرى، ولديهم مطلبان رئيسيان:الأول: تحسين ظروف معيشتهم اليومية وحصولهم على حقوقهم المدنية والاجتماعية من الدولة المضيفة لبنان والحصول على حقهم في العمل والتملك والتعليم والاستشفاء والعلاج، والانتساب إلى النقابات والحق في الضمان الاجتماعي وإنشاء المؤسسات والجمعيات.ثانيا: وهو معطوف على المطلب الأول بإعطائهم تلك الحقوق لتمكينهم من مواجهة مشاريع التوطين والتجنيس والعمل على ممارسة الأنشطة المناسبة التي تهدف في النهاية إلى عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم في فلسطين.

هذا والجدير ذكره بان مركز العودة الفلسطيني هو مؤسسة فلسطينية تعنى بتفعيل قضية اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة والمطالبة بحقهم في العودة إلى ديارهم. وهو يشكل مصدرا إعلاميا أكاديميا يسعى إلى أن يكون رديفا للمعلومات والنشاط السياسي للقضية الفلسطينية وخصوصا مسألة العودة

 

الاستاذ علي هويدي

رابط مختصر : https://prc.org.uk/ar/post/310