مركز العودة: خمس سنوات من العمل لأجل اعتذار بريطانيا

مركز العودة: خمس سنوات من العمل لأجل اعتذار بريطانيا

 

يقود مركز العودة الفلسطيني، ومقره في العاصمة لندن بالمملكة المتحدة، حملة عالمية منذ خمس سنوات، لدفع بريطانيا للاعتذار للفلسطينيين عن وعد بلفور، ووقف الاحتفالات بالذكرى السنوية المئة لهذا الوعد الجائر.

وتهدف الحملة إلى دفع بريطانيا للاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن منح وعد بلفور الذي مهّد لطرد نحو 750 ألفاً من الفلسطينيين عام 1948م وإقامة إسرائيل على أنقاض قراهم المدمرة، وإبقاء هؤلاء كلاجئين في مختلف أنحاء العالم بعد أكثر من سبعين عاماً، بعد أن صار عددهم نحو 7 ملايين.

كما ترى الحملة أن اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا يتعرضون لمختلف أنواع الانتهاكات على يد الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويتعرضون للاعتقالات التعسفية والادارية، ويخضعون للعديد من الممارسات التي توصف بالتمييز العنصري، ويقبعون تحت الحصار الجائر منذ أكثر من عشرة أعوام في غزة، فضلاً عن حرمانهم من كثير من الحقوق الأساسية وعلى رأسها حق تقرير المصير المعترف به عالمياً.

 

تنوع في الأدوات:

ولتحقيق هذا المسعى، تبنت الحملة العديد من الوسائل التي تمكنها من ممارسة الضغط السياسي على الحكومة البريطانية، وذلك من خلال التشبيك وبناء العلاقات مع النواب والسياسيين البريطانيين والأوروبيين، وعملت على حشد الدعم والتأييد لمطالب الحملة من خلالهم، ونقل مطالب الحملة عبر القنوات الرسمية إلى الحكومة البريطانية بهدف دفعها إلى الاعتذار.

كما اهتمت الحملة بفتح خطوط التعاون مع مختلف المؤسسات واللجان والتجمعات الشعبية والطلابية والمنظمات غير الحكومية التي تلتقي على أهداف مشتركة، وذلك بهدف رفع الوعي الشعبي في المجتمع البريطاني بقضية وعد بلفور والتبعات الكارثية له على مستوى فلسطين والمنطقة العربية ككل.

وكان المركز قد أطلق حملة المطالبة بالاعتذر منذ نهاية العام 2012م في وسعى إلى تشكيل تحالف عالمي بهذا الخصوص، وتم إشهار الحملة رسمياً في أسبوع ذكرى الضحايا الفلسطينيين الذي عقده المركز في لندن مطلع العام 2013م.

 

مؤتمر الحرب العالمية الأولى:

وفي 2013، نظمت الحملة مؤتمراً بلندن تحت عنوان "إرث بريطانيا في فلسطين"، نبع من الحاجة الملحة إلى إجراء حوار جيد وهادف حول الماضي الاستعماري البريطاني، والنظر في الجذور الايديولوجية التي رسمت السياسة البريطانية في فلسطين، وذلك من أجل التوعية بها وتسليط الضوء على مسببات فشلها، وهي التي أدت إلى وقوع كم هائل من الإعتداءات على حقوق المواطنين الفلسطينيين.

وبحث هذا المؤتمر تأثير الحرب العالمية الأولى على فلسطين، عارضاً الاتفاقات السياسية بين مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة من خلال أوراق عمل مهمة، والتي شكلت كتاباً بعد ذلك يحمل نفس العنوان.

الكتاب يضم أوراقاً بحثية علمية لعدد من الأكاديميين والسياسيين والمفكرين الذين شاركوا في جلسات المؤتمر، وقد عمدت الحملة إلى تأجيل إطلاق الكتاب إلى الذكرى المئوية لإعلان بلفور.

 

الحملة تصعد من وسائلها:

وقد أعاد المركز إطلاق حملته في عامها الأخير من داخل البرلمان البريطاني، في ندوة استضافتها البارونة البريطانية "جيني تونغ" تحت عنوان "لا للاحتفال، لا للإحياء، نعم للاعتذار"، تحدث فيها عدد من الأكاديميين وأدارها اللورد البريطاني ""نورمان وارنر".

وأنتج المركز والحملة، فيلماً قصيراً درامياً بعنوان «طريق بلفور»، يحاكي ما عاناه الفلسطينيين جراء وعد بلفور، ويجسده في قصة عائلة بريطانية معاصرة؛ حيث تم إطلاقه رسمياً، صباح الاثنين والموافق 30 أكتوبر 2017م.

وقد سبق الاطلاق النهائي للفيلم أن تم عرضه في نحو 25 مدينة في أنحاء العالم ضمن فعاليات وعروض خاصة نظمتها مؤسسات وجهات متنوعة، رسمية ونخبوية وشعبية، أكاديمية وثقافية وفنية، داعمة للحق الفلسطيني، انطلق العرض الأول من داخل قاعات الملكة إليزابيث الشهيرة وسط لندن.

وأعلن المركز عن تصعيد آليات الحملة، وإطلاق منصة إلكترونية لإرسال رسائل احتجاج عبر البريد الإلكتروني وعبر موقع تويتر، وفتح باب المشاركة عالمياً لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة وعلى قاعة "ألبيرت هول" الملكية التي تستضيف احتفالاً ضخماً بمناسبة الذكرى المئوية.

ولاقت هذه الحملة، التي يقودها مركز العودة الفلسطيني على موقعه الرسمي، صداً واسعاً عالميا ومحلياً؛ حيث وصل إلى بريد القاعة أكثر من 11 ألف رسالة خلال ثلاثة أيام.

وكان المركز، في مطلع العام 2017، قد رعى عريضة توقيعات إلكترونية، أطلقها على الموقع الرسمي للبرلمان البريطاني، وذلك بهدف جمع آلاف التواقيع وإجبار الحكومة على الرد على مطلب الاعتذار، وإلزام البرلمان على مناقشة القضية.

وقد نجح المركز في غضون أسابيع بجمع نحو 14 ألف توقيع من مواطنين بريطانيين، الحد الذي يلزم الحكومة بإصدار رد رسمي على مطلب العريضة، غير أن الرد الذي تأخر عشرة ايام عن موعده حمل رفضاً رسمياً للاعتذار، وتجاهلاً لمعاناة الفلسطينيين بشكل كامل.

 

الحكومة البريطانية تعترف بالتقصير:

عقب استيفاء الشرط المطلوب للحصول على رد من الحكومة، وهو تخطي حاجز العشرة آلاف توقيع، جاء في رد الحكومة أن "منح وطن قومي لليهود هو فعل أخلاقي وصائب" بينما أغفل بشكل تام الفظائع التي وقعت في فلسطين على يد العصابات الصهيونية التي سهلت دخولها خلال فترة الانتداب وارتكبت مجازر ممنهجة نتج عنها تهجير أكثر من 570 قرية فلسطينية من سكانها عام 1948م.

واعترفت الحكومة في ردها، ولأول مرة في تاريخها، بوقوع تقصير في حماية حقوق الفلسطينيين، وخلل في الضمانات والتعهدات التي قطعتها في نص الإعلان قائلة "نحن ندرك أن وعد بلفور كان ينبغي أن يدعو إلى حماية الحقوق السياسية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، ولا سيما حقهم في تقرير المصير" وتابعت: "غير أن الشيء المهم الآن هو التطلع إلى الأمام وتحقيق الأمن والعدالة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال سلام دائم"، بينما حمل الرد تراجعاً واضحاً في التزام لندن بمبادئ عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال إقرارها بمبدأ تبادل الأراضي في الضفة الغربية والقدس.

غير أن العريضة التي كانت تمضي سريعاً نحو تحقيق هدفها الثاني وهو جمع الأصوات الكافية لدفع البرلمان إلى مناقشة القضية، تلقت ضربة مفاجئة أقدمت عليها اللجنة البرلمانية المكلفة بمتابعة العرائض الشعبية، حيث قامت بقطع تعسفي للمهلة الزمنية الممنوحة لها وهي ستة أشهر وتخفيضها إلى شهرين ونصف فقط، وذلك تحت ذريعة انتهاء الدورة الحالية للبرلمان بعد الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة في البلاد. 

 

انجازات وتحديات:

هذا وقد تعرضت الحملة في سنواتها الخمس إلى هجمات شرسة من قبل اللوبي الإسرائيلي الذي سعى إلى تعطيلها مرات عديدة، وتنوعت هذه الهجمات فطال بعضها البارونة "جيني تونغ" التي تترأس الحملة حتى دفعت بها إلى الاستقالة من منصبها في الحزب على خلفية اتهامات مضللة تقدمت بها السفارة الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام، إلا أن لجنة التحقيق البرلمانية التي تابعت القضية برّأتها من كافة التهم وأثبتت براءتها من أي خرق للقواعد السلوكية في مجلس العموم.

إلى ذلك فقد حقق المركز انتصارات قانونية أخرى عندما أجبر بعض كبريات الصحف البريطانية على نشر اعتذارات عن تقارير مضللة بحق المركز وحملة الاعتذار كانت قد نُشرت على صفحاتها، ومنها صحيفتي الديلي إكسبريس والديلي ميل البريطانيتين بعد تحقيقات من قبل منظمة معايير الصحافة المستقلة في المملكة المتحدة.

وقد عقد المركز خلال السنوات الخمس، عشرات الجلسات النقاشية واللقاءات في البرلمان البريطاني والأوروبي ومجلس حقوق الإنسان، في عواصم أوروبية متعددة وفي مقدمتها لندن، وذلك ضمن حراكه الدولي للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً بعد تقلّده الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة ECOSOC منذ أواسط العام 2015م.

كما وجه المركز والحملة العشرات من الخطابات والرسائل الرسمية حول مئوية وعد بلفور إلى النواب البريطانيين والوزراء والأحزاب، وكذلك إلى رؤساء الحكومة المتعاقبين، إضافة إلى البعثات الدولية والدبلوماسية العاملة في المملكة المتحدة.

وبادر المركز إلى حشد الدعم السياسي والتأييد في البرلمان الأوروبي ومجلس حقوق الإنسان في جنيف عبر مخاطبة العشرات من أعضائهما في قضية بلفور ومستجدات الوضع الفلسطيني عموماً، وكذلك من خلال الفعاليات التي أقامها في قصر الأمم المتحدة على هامش دورات المجلس.

يذكر أن مركز العودة الفلسطيني، هو مؤسسة بريطانية تعنى بتفعيل قضية فلسطينيي الشتات والمطالبة بحقهم في الرجوع إلى ديارهم, وهو كمركز يشكل مصدرا إعلامياً أكاديمياً يسعى إلى أن يكون رديفا للمعلومات والنشاط السياسي للقضية الفلسطينية وخصوصا مسألة العودة ويتخذ المركز لندن مقرا له وقد حصل على الصفة الاستشارية في الأمم المتحدة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي منذ أواسط العام 2015م.

 

رابط مختصر : https://prc.org.uk/ar/post/3777