نظّم مركز العودة الفلسطيني ندوة إلكترونية ناقشت تصاعد عنف المستوطنين وتسارع عمليات التهجير القسري في الضفة الغربية المحتلة، مسلّطة الضوء على أوضاع القرى والمجتمعات الريفية ومخيمات اللاجئين، وعلى الأبعاد السياسية والإنسانية الأوسع لهذه الانتهاكات، إضافة إلى دور التضامن الدولي والعمل المنظّم في مواجهتها.
وافتتح الندوة محمد زكريا، مشيراً إلى خطورة المرحلة التي تمر بها الضفة الغربية في ظل تصاعد الاعتداءات المرتبطة بالمستوطنين والعمليات العسكرية، بالتوازي مع تفاقم الأوضاع الإنسانية التي تطال الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومؤكداً أهمية توثيق هذه الانتهاكات وربطها بسياقها البنيوي وعدم التعامل معها كأحداث منفصلة أو طارئة.
السياق العام والشهادات الميدانية ودور التضامن الدولي
ركّز محمد زكريا في مداخلاته خلال الندوة على وضع ما يجري في الضفة الغربية ضمن سياقه العام، موضحاً أن الاعتداءات على الفلسطينيين، ولا سيما المزارعين والمجتمعات الريفية، تشكّل جزءاً من نمط متواصل يهدف إلى تقويض الحياة اليومية ودفع السكان نحو التهجير. وأشار إلى استمرار الاقتحامات والعمليات العسكرية التي تطال عدداً من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية، وما يرافقها من أضرار جسيمة بالبنية التحتية وتهجير للسكان.
كما استعرض تجربته ضمن حركة التضامن الدولية خلال موسم قطف الزيتون، متحدثاً عن مرافقة متضامنين دوليين للمزارعين الفلسطينيين أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم، في ظل مخاطر حقيقية تشمل التضييق والاعتداءات. واعتبر أن هذه التجربة تعكس هشاشة الوصول إلى الأرض تحت الاحتلال، وتبرز أهمية التضامن الدولي القائم على الشراكة مع المجتمعات المحلية ونقل شهاداتها إلى الرأي العام العالمي.
وخلال إدارته للنقاش، طرح زكريا أسئلة محورية حول حدود المساعدات الإنسانية، وإشكالية الاكتفاء بالإدانات السياسية دون إجراءات ملموسة، إضافة إلى دور الحكومات الغربية، ولا سيما الحكومة البريطانية، في ظل استمرار أشكال من التعاون السياسي والاقتصادي رغم التصريحات الرسمية المندّدة بعنف المستوطنين.
الحياة تحت التهديد اليومي واستهداف الأرض والمجتمعات الفلسطينية
قدّم سامح شحروج، المربّي والناشط المجتمعي الفلسطيني، مداخلة موسّعة استندت إلى تجربة ميدانية ومعايشة مباشرة للواقع اليومي في الضفة الغربية، مؤكداً أن تصوير الضفة الغربية على أنها “هادئة” أو “مستقرة” يتجاهل طبيعة العنف البنيوي الذي يعيشه الفلسطينيون بشكل مستمر. وأوضح أن هذا العنف يتجلّى في منظومة من القيود الدائمة على الحركة، والحواجز العسكرية، والإغلاقات المفاجئة، التي تجعل الحياة اليومية غير قابلة للتوقّع وتفرض حالة دائمة من القلق وعدم الأمان.
وأشار شحروج إلى أن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، كما أُقرّ في اتفاقيات أوسلو، أدّى إلى تجزئة جغرافية عميقة، حيث تخضع مساحات واسعة لسيطرة إسرائيلية مباشرة، ما يحدّ من قدرة الفلسطينيين على البناء أو التوسّع أو حتى الوصول إلى أراضيهم. وبيّن أن هذه السياسات تُستخدم كأدوات عملية لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي على حساب الوجود الفلسطيني.
وتوقّف عند تصاعد اعتداءات المستوطنين في القرى والمجتمعات المعزولة جنوب نابلس، مثل يانـون ودوما والمغير، موضحاً أن العزلة الجغرافية تُستغل لفرض واقع من الترهيب المستمر، يشمل حرق الممتلكات، وتدمير المركبات، واقتحام المنازل، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، ما يدفع العديد من العائلات إلى مغادرة مناطقها تحت الضغط.
كما شدّد شحروج على أن استهداف الزراعة، ولا سيما بساتين الزيتون، يمثّل ضربة مباشرة لسبل العيش، ويقوّض قدرة المجتمعات على الصمود، مؤكداً أن فقدان الأرض لا يعني خسارة مصدر دخل فحسب، بل فقدان علاقة تاريخية وثقافية تشكّل جزءاً أساسياً من الهوية الفلسطينية.
وتناول أيضاً أوضاع مخيمات اللاجئين، ولا سيما جنين وطولكرم ونور شمس، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية المتكررة وما يرافقها من دمار وتهجير لا تستهدف الحجر فقط، بل تمسّ الذاكرة الجماعية للاجئين الفلسطينيين ورمزيتهم التاريخية المرتبطة بالاقتلاع منذ عام 1948.
الشباب الفلسطيني في بريطانيا وبناء الحملات الاستراتيجية
من جانبها، قدّمت هبة سلامة، الناشطة الفلسطينية في بريطانيا وعضوة حركة الشباب الفلسطيني، مداخلة ركّزت على دور الشباب الفلسطيني في الشتات في مواجهة سياسات التهجير والاستيطان من خلال العمل المنظّم وبناء الحملات الاستراتيجية طويلة النفس.
وشدّدت سلامة على رفض الخطاب الذي يتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره تجاوزات فردية، معتبرة أن هذا العنف جزء بنيوي من منظومة استعمار استيطاني تقوم على مصادرة الأرض وفرض واقع قسري على الفلسطينيين. وأشارت إلى أن الإدانات الرسمية الانتقائية غالباً ما تُستخدم للحفاظ على شرعية المنظومة القائمة دون اتخاذ خطوات فعلية لحماية الفلسطينيين أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وأكدت أن دور حركة الشباب الفلسطيني يتمثّل في تفكيك هذه السرديات، وربط ما يجري على الأرض في الضفة الغربية وغزة بالسياسات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي تسهم في استدامة الاحتلال، مع التركيز على تحويل التضامن الشعبي إلى ضغط سياسي واقتصادي ملموس.
واستعرضت سلامة نماذج من الحملات التي قادها أو دعمها نشطاء في بريطانيا، ولا سيما حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) والعمل داخل الجامعات والنقابات والمجالس المحلية، مشيرة إلى أن هذه الحملات تهدف إلى مساءلة الاستثمارات والشراكات المتورطة في الاستيطان والصناعات العسكرية.
وتطرّقت إلى حملة استهدفت شركة ميرسك (Maersk)، موضحة أن الحملة كشفت ارتباط الشركة بالبنية الاقتصادية للاستيطان، وأن إعلانها وقف شحن البضائع من المستوطنات شكّل سابقة مهمّة، أظهرت قدرة الحملات المنظّمة على تحقيق نتائج ملموسة عندما تُبنى على تحليل واستراتيجية واضحة.
واختتمت مداخلتها بالتأكيد على أن الأمل ليس موقفاً عاطفياً، بل ممارسة سياسية يومية تقوم على التنظيم والانضباط وبناء الهياكل القادرة على الاستمرار، مستلهمة ذلك من صمود الفلسطينيين على الأرض وتراكم التجارب التنظيمية في الشتات.
ختام الندوة
واختُتمت الندوة بنقاش مفتوح تناول حدود المساعدات الإنسانية في معالجة جذور التهجير، وأهمية إيصال الرواية الفلسطينية إلى الرأي العام الدولي، إضافة إلى تقييم دور الآليات القانونية الدولية في مسار المساءلة. وأكد المشاركون على ضرورة استمرار الضغط الشعبي والعمل المنظّم بوصفه مساراً أساسياً لمواجهة سياسات التهجير والاستيطان.
مركز العودة الفلسطيني (PRC) هو مؤسسة مقرّها المملكة المتحدة تُعنى بالدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق الشعب الفلسطيني، مع تركيز خاص على حق العودة والمساءلة الدولية. ويتمتع المركز بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC) منذ عام 2015، ويعمل على المستويات الشعبية والسياسات العامة والمناصرة الدولية.
شاهد الندوة من هنا
https://www.youtube.com/live/geWbTDcim68