"فلسطينيو العراق" معتقلون بسبب الهوية!

مقدمة: كلمة مركز العودة على صعيد مؤتمر الأسري الفلسطينيين المنعقد في أوروبا، جنيف في ال 11 مارس 2011. القاها الباحث في المركز نسيم أحمد, عندما طلب مني تقديم ورقة حول اللاجئين في مؤتمر حول الأسرى تساءلت في داخلي حول ماهية العلاقة بين اللاجئين والأسرى، ولكن سرعان ما أدركت أن هناك العديد من أوجه الشبه  بين القضيتين لأن أي شخص متابع لمحنة اللاجئين الفلسطينيين خاصة في لبنان ومؤخرا في العراق، سوف يرى أن العديد من اللاجئين الفلسطينيين هم في سجن غير مرأي أو محسوس، بالفعل إنهم سجناء بسبب هويتهم.

 


إنهم مسجونون بسبب كونهم فلسطينيين...إنهم غير قادرين علي تحرير أنفسهم من منفاهملم يأخذوا حقوقهم الإنسانية بشكل كاملإنهم عالقين إلى الأبد في "منطقة الحرام"

 

يركز هذا المؤتمر علي قضية الأسري وسجن الفلسطينيين من قبل إسرائيل، ومن هنا فلا بد للنقاش أن يدور حول الاعتقال الإداري والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان واتفاقية جنيف وإطار أوسع من القانون الدولي. لكن يبقي المؤتمر مفتقدا لقضية أعم وأشمل إنها قضية كثير من الفلسطينيين الذين يُساء معاملتهم والتي قد تكون أشد في بعض الأحيان من معاناة السجون.

  كلنا نعلم عن قطاع غزة وكيف تحول إلى أكبر سجن في العالم، كما نعلم أيضا عن التجمعات الفلسطينية في البلدة القديمة من مدينة الخليل والفلسطينيين في  قلقيلية وكيف يواجهون  نقاط التفتيش وتحدياتها...بالفعل كلهم يعيشون في سجون كبيرة!تسعى إسرائيل إلى أن تحقق طموحاتها الإيديولوجية من خلال سجن الفلسطينيين في منفاهم الأبدي الذي أصبح حقيقة لا مفر منها.

ليس المقصود من هذه النقطة المبالغة أو دغدغة العاطفة على حساب العقل لأنها حقيقة مجردة وحياة يومية يعيشها الفلسطينيون.  لذلك سوف أشارككم  خبرتي المباشرة مع اللاجئين الفلسطينيين القادمين من العراق.

اللاجئين الفلسطينيين الفارين من العراق:منذ أن بدأنا في التعاطي ومعالجة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الفارين من العراق قبل عامين حرصنا على القيام بعدة مشاريع للتخفيف من معاناتهم، وقبل أن أقوم بإعطاء أي تفاصيل أود إعطاء لمحة عامة.

لقد أصبح مسار قرابة 34 ألف لاجئي فلسطيني ممن كانوا يعيشون في العراق في خطر كبير بعد الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 حيث أدي إلي خلق منفي فلسطيني آخر. فبسبب وضعهم غير الآمن في العراق أصبحوا عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك القتل والخطف وأخذهم كرهائن، والاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. ووفقا للعديد من منظمات حقوق الإنسان فقد تم الابلاغ عن عدد من الحالات التي سُجل فيهل اغتيال أعداد من الفلسطينيين، ورمي جثثهم في مواقع القمامة وعلي أجسادهم كانت أثار الجروح والتعذيب والتشويه واضحة. وقائع وحقائق قاسية سنكتشفها بأنفسنا لاحقا. فأولئك الفلسطينيين ليس لديهم بلد ليعودوا إليه، أو حتى وثائق سفر صالحة للسفر، أو حتي حماية داخل العراق، كما لا يوجد هناك من يحررهم من أوضاعهم القاسية في الأسر.

لقد فر الآلاف من فلسطيني العراق جرّاء العنف والملاحقة التي استهدفتهم فوجدوا أنفسهم عالقين في منطقة الحدود العراقية الأردنية والعراقية السورية. استقرت هذه العائلات في خيم في مناطق مقفرة بلا أمل في المستقبل! تماما كما حدث لإبائهم وأجدادهم بعد طردهم من وطنهم في العام 1948 (النكبة).

فأولئك اللاجئين علي الحدود مع سوريا يعانون أصلا من مشكلة قانونية حيث أن أطار تفويض الاونروا لا يشملهم كما أنهم لا يمتلكون الجنسيات العراقية، ومع لك فهم معترف بهم من قبل مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وقد أبدت بعض الدول المجاورة وغيرها استعدادها لاستقبالهم بشكل مؤقت فقط، ويرجع ذلك كون هذه البلدان العربية المجاورة مكتظة باللاجئين لذا فهي مترددة في السماح للمزيد من اللاجئين بالقدوم إليها. لذا فبعد أن تقطعت بهم السبل أصبحوا عالقين في مخيمات مختلفة مثل  الحول والتنف، والرويشد، وهي مخيمات أنشأت بالتنسيق مع المفوضية وهي في حالة يرثى لها كما تنقصها المرافق الطبية والصحية.

وفد مركز العودة:وكرد علي هذه الأزمة قمنا في المركز بالتنسيق لإرسال وفد برلماني في نوفمبر 2009 لزيارة تلك المخيمات وتسريع إيجاد مقر مؤقت لتوطينهم. ضم الوفد عددا من البرلمانيين من جميع الأحزاب السياسية في بريطانيا وإيرلندا. وقد كان هدف زيارة الوفد البرلماني واضحا جدا وهو إيجاد مكان مؤقت لتوطينهم بالتعاون مع عدد من المساهمين الدوليين والمهتمين. كانت زيارتنا الأولى لمخيم التنف حيث كان انطباعنا الأول عزلة المخيم الكبير وبعده عن البلدات الأساسية. فمن دمشق وصولاً للمخيمات أمضينا ثلاث ساعات ونصف وقد تم ذلك بمرافقة سيارات حكومية. ومما لا شك فيه أن المخيم الذي يضم عددا من الأطفال والنساء والعجزة يعاني من إشكالات حادة.  ففي داخل المعسكر كان من الواضح أن اللاجئين ليسوا في مأمن من عدة نواح نظرا للموقع حيث لا مهرب من حرارة الصحراء في النهار، أو بردها الشديد في الليل، أو فيضاناتها حينما ينزل المطر.

مخيم التنف: قيل لنا أن الخطر في كل مكان خاصة على الأطفال فالطرق البدائية التي يلجأ إليها اللاجئون للتدفئة والطبخ في الخيام غالبا ما تتسبب في نشوب الحرائق بشكل متكرر مما يجعل حياة القاطنين في المخيم معرضة للخطر.

ففي احدي المناسبات توفيت أم أحد الأطفال ويدعا محمد وعمره أقل من سنة وهو من الذين التقينا بهم حيث توفيت أمه نتيجة للحريق الذي اشتعل في المخيم. كما تحدث سكان  المخيم عن من مخاطر العناكب والثعابين والعقارب في ظل عدم وجود إضاءة، كما أن هناك أسبابا متفاوتة أدت إلي حدوث حالات إجهاض لبعض النساء.

ولهذا فمن الجلي والواضح أن القاطنين في مخيم التنف  يشعرون بالأسى الشديد من الظروف السائدة في مخيمهم كما أن لديهم مخاوف حقيقية من أن يبقوا عالقين إلى أجل غير مسمى. وقد استنجدوا بالوفود القادمة قائلين "أنقذونا من هذا الجحيم" كما قدم آخرون روايات حزينة عن محنتهم، فقال بعضهم "إن الإنسان لا يعيش فقط لتناول الطعام، وقال آخر "نأسف أن محنتنا تعتمد على القرارات السياسية بدلا من الاعتبارات الإنسانية".

وقد وصل معظم سكان المخيم من أجزاء مختلفة من بغداد بعد أن مروا بقصص مرّوعة من الإرهاب والتخويف حيث وصف العديد من سكان المخيم الأحداث المرعبة التي دفعتهم إلى الفرار من العراق والتي أصبحت بمثابة صدمة نفسية ملاصقة بهم، حيث تم خطف بعضهم وتعرضوا للتعذيب، أما آخرون فقد تم خطف أقاربهم حيث تعرضوا للتشويه والقتل فيما تحدث آخرون عن الميليشيات المسلحة التي تقوم بقطع الأذنين واقتلاع العينين وسكب الحامض على رأس المعتقلين.

عبد الباسط محمود والشيخ محمدعبد الباسط محمود يبلغ من العمر 46 عاماً فلسطيني يمثل نموذجا لأولئك القاطنين في المخيم. تحدث بأن قرابة 350 فلسطيني من بغداد تم قتلهم، وكيف أن بعض الميليشيات العراقية تقوم بالتطهير العراقي الممنهج ضد فلسطيني العراق. كل من قابلناه في المخيم لديه قصص مرّوعة عن طردهم من العراق في حين أن العديد من الناس مروا بتجارب فظيعة في المخيمات.

لقد كان واضحا أن التوتر النفسي الذي يعاني منه اللاجئون كان ناجماً عن الاضطهاد العنيف في العراق وواقعهم الجديد. قد يقول البعض بأن الفلسطينيين الذين استهدفوا و طردوا من العراق  كانوا من الفقراء، ولكن قصة الشيخ محمد، إمام مسجد المخيم، تبين لنا أن العنف في العراق كان عشوائيا ولم يميز بين الفلسطينيين  بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية. كان الشيخ محمد قد طرد وأصبح لاجئا في العام 1948، وقد عمل محاسبا لشركة استيراد وتصدير من العام 1958  وإلي 2005، وقد وصف الشيخ محمد كيف تم شنق ولديه من قبل الميليشيات لأنهم كانوا فلسطينيين، وقد تم بعدها طرده وعائلته من بيته الذي يمتلكه، كما أردف قائلا أن معظم الفلسطينيين فروا بسبب أن أحد أفراد عائلاتهم قتل أو هدد بالقتل.

جهود مركز العودة مع الاونروا ومفوضية اللاجئينخلال زيارة وفد المركز تم لقاء الرئيس السوري بشار الأسد ومسئولي الاونروا ومفوضي اللاجئين لإيجاد توجه عام نحو إغلاق المخيم وإيجاد موطن مؤقت للاجئين فيه.

هذا وقد أمنت المفوضية بنجاح إعادة توطين عدد من اللاجئين، وكان الشيخ محمد، إمام المسجد أحد الذين التقينا بهم وأحد الذين حصلوا علي توطين مؤقت، حيث مُنح فيزا لدخول ايطاليا في حين أن اثنين من أشقائه ذهبوا إلى كندا وآخر إلى المملكة المتحدة، وبالرغم من نهاية عذابات المخيم بالنسبة إليهم إلا أن ذلك الفصل والشتات كانا أحد أسباب الحزن الرئيسية لتلك الأسرة، تماما كما هو حال الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية! فكل هذه العائلات يتم فصلها ولكن لأسباب مختلفة.

هذا وبعد زيارتنا للمخيم تم إغلاقه ونقل سكانه إلي سوريا و دول أخري.

البرازيل: قد يتصور المرء أن بعد هذه المحنة غير المحسوسة والتي تحرم الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية الأساسية سوف تنتهي العذابات لكن بدلا من ذلك وجدنا انهم أصبحوا عرضة لأصناف جديدة من المظالم.

لقد قام المركز بتتبع بعض اللاجئين الفلسطينيين الذين تم توطينهم في البرازيل ليتم رصد الأوضاع الصعبة التي يعيشونها هناك. لقد صدمنا عندمنا بالفعل عندما اكتشفنا أن بعض اللاجئين يعيشون أوضاعا أصعب من تلك التي عايشوها من قبل أو تلك التي دفعتهم للفرار! لقد التقي مركز العودة عددا من العائلات التي تتشابه قصص معاناتهم مثل قلة أو غياب الخدمات والتي نجم عنها أن تلك العائلات أصبحت تعاني من الجوع، وأخري لديها بعض الأبناء الذين يعانون من أمراض مزمنة ولا يتلقوا أي خدمات صحية. دفعت تلك الأوضاع بعض العائلات إلي حالات من اليأس والغضب علي النظام الدولي الذي يخذلهم بشكل مستمر من تحريرهم من معتقلهم.

فعقب وصولهم إلي البرازيل وبدلا من إيجاد أماكن أكثر ملائمة لهم من تلك التي عاشوا فيها فقد واجهوا ظروفاُ أكثر مرارة.يبدو أن كل تلك الوعود التي حصلوا عليها كانت غير حقيقة! فالوعود كانت تقضي بتقديم حد أدني من الخدمات الصحية والتعليم والأمن والعمل، ولكن وللأسف فقد كانت كل هذه الوعود غير صادقة.

قام العديد من أولئك اللاجئين بالاحتجاج أمام السفارة الفلسطينية في البرازيل وقاموا بمناشدة السلطات البرازيلية بأن توفر لهم الملجأ أوالمساعدة بأن ترسلهم إلي فلسطين أو أي دولة أخري قادرة على تقديم الخدمات الإنسانية الأساسية لهم.

التقينا مع لؤي عوده وعائلته حيث كان في حالة صحية سيئة تدهورت بصورة كبيرة عقب وصوله الي البرازيل، فلم يكن بامكانه التنفس بدون مساعدة أجهزة طبية خاصة وتلتصق به علي الدوام.يقول لؤي "عشت أغلب حياتي في العراق لم أعرف شيئاً إسمه الأوكسيجين ، وعشت سنوات في الصحراء بالعواصف الترابية التي كانت تقتلع الخيام وتدمرها على رؤوسنا ، وكلنا يعرف أوضاع المخيمات في الصحراء من سوء في الخدمات والرعاية الصحية أو انعدامها أساساً، ولم أكن أستخدم الأوكسيجين كل تلك الأعوام، ولكن مع قدومي للبرازيل ساءت حالتي كثيرا ويؤكد الأطباء أنه اذا استمر هذا الوضع وبدون إجرائي لعملية في الرئة خلال ثلاث سنوات فسوف تنسد الرئتان تماماً وهنا ينتهي الموضوع لأنني أعيش الآن بأقل من نصف رئة وبمساعدة جهاز الأوكسيجين الذي يمكنني من التنفس قليلاً. ومع الأسف الشديد رفضت الحكومة البرازيلية والمفوضية الالتزام بعلاجي بحجة تكاليف العملية الباهظة."هذه بعض الحالات الحزينة والمأساوية للاجئين من فلسطينيي العراق. قصتهم هي قصة أناس أصبح العالم كله سجانا لهم. وسيتضح ذلك عبر وثائقي المركز عن اللاجئين من فلسطينيي العراق قريباً.

ملخص:وفي الختام أود الإضافة أن الشعور بالسجن والحبس لا يقتصر على جدران المعتقل، فالفلسطينيون في العالم ومثالهم اللاجئين الفلسطينيين من العراق أصبحت حياة الكثير منهم مثل حياة السجن بل وأصعب، فأينما ذهبوا للبحث عن حريتهم وبعض حقوق الإنسان الأساسية وجدوا أنفسهم محاصرين في وضع من اللاأمن وانعدام الحرية، وضع فيه نوع من العذاب الجسدي والنفسي، لا بل وفوق كل ذلك يحرمون من إنسانيتهم وكرامتهم كبشر. لا يبغي الفلسطينيون أكثر من أن يتم تحريرهم كأي شخص حر آخر في العالم!

رابط مختصر : https://prc.org.uk/ar/post/991